يطرح آلان بيرتو وإدوارد جلايسر وطارق مسعود رؤية مختلفة لإعادة إعمار غزة، حيث يؤكد الكتّاب منذ البداية أن المهمة تمثل واحدة من أعقد عمليات بناء المدن في التاريخ الحديث، في ظل دمار هائل وصراع مستمر وسلطة سياسية مجزأة تعرقل أي مسار واضح لإعادة البناء.


ينشر موقع فورين أفيرز هذا التحليل في سياق النقاشات الدولية حول مستقبل القطاع، حيث تتزايد المبادرات والخطط، لكن معظمها ينطلق من تصورات مركزية بعيدة عن الواقع اليومي للفلسطينيين، ما يجعلها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.


خطط كبرى بلا روح محلية


تظهر معظم مقترحات إعادة الإعمار وكأنها مشاريع هندسية ضخمة صُممت من أعلى إلى أسفل، حيث تقسم غزة إلى مناطق سياحية وصناعية وسكنية وفق رؤى جامدة. يعكس هذا النهج تصورًا نظريًا للمدينة أكثر مما يعكس حياة الناس داخلها. تطرح بعض الحكومات، مثل مصر، خططًا شاملة لكنها تفتقر إلى المرونة، بينما يقدم فاعلون دوليون تصورات تبدو منفصلة عن الواقع الميداني.


حتى المبادرات الفلسطينية، رغم قربها النسبي من المجتمع، لا تزال تميل إلى الإفراط في التنظيم والتخطيط المسبق، بما قد يقيّد قدرة السكان على إعادة تشكيل بيئتهم وفق احتياجاتهم المتغيرة. تكشف هذه المقاربات عن مشكلة جوهرية: تجاهل صوت السكان أنفسهم في رسم مستقبلهم.


دروس من طوكيو وإعادة البناء من القاعدة


يستحضر الكتّاب تجربة طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج مختلف، حيث تخلت الحكومة تدريجيًا عن التخطيط المركزي الصارم تحت ضغط الواقع، وسمحت للمواطنين بإعادة البناء بأنفسهم. أدى هذا التحول إلى خلق مدينة نابضة بالحياة تعكس احتياجات سكانها، بدلًا من فرض نموذج جاهز عليهم.


يعتمد هذا النموذج على تمكين أصحاب الأراضي ومنحهم حرية إعادة البناء أو البيع أو التعاون مع جيرانهم، مع تدخل محدود من الدولة يركز على البنية التحتية والدعم المالي. يبرز هذا النهج كبديل عملي لغزة، حيث يمكن للسكان إعادة تشكيل مدينتهم بطريقة أكثر واقعية واستدامة.


رغم اختلاف الظروف بين طوكيو وغزة، خاصة استمرار الصراع وتعقيد الملكيات، إلا أن الفكرة الأساسية تظل قابلة للتطبيق: عندما يقود السكان عملية الإعمار، تعكس النتائج احتياجاتهم الحقيقية، وتصبح المدينة أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات.


بين الإعمار والسياسة.. من يملك القرار؟


يرى الكتّاب أن إعادة إعمار غزة لا تنفصل عن البعد السياسي، حيث يشكل غياب سلطة موحدة عائقًا رئيسيًا أمام أي تقدم. يقترح التحليل إنشاء هيئة فلسطينية تقنية تدير العملية بدعم دولي، مع التركيز على إعادة حقوق الملكية للسكان كخطوة أساسية نحو الاستقرار.


يتطلب الإعمار أيضًا تدخلًا حكوميًا في بعض المجالات مثل إزالة الركام وبناء الطرق والمستشفيات والموانئ، إلى جانب إنشاء منطقة اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات الأجنبية. ومع ذلك، يجب أن يظل هذا التدخل محدودًا، وأن يحصل المتضررون على تعويض عادل عند استخدام أراضيهم.

 

يحذر الكتّاب من تكرار تجارب سابقة مثل إعادة إعمار بيروت، حيث سيطر نموذج الشركات الكبرى على العملية، ما أدى إلى إقصاء السكان وتحويل المدينة إلى مساحة تخدم النخبة. في المقابل، تبرز تجربة الهند بعد الزلازل كنموذج أكثر توازنًا، حيث قاد المجتمع المحلي عملية الإعمار بدعم حكومي موجه.

 

في النهاية، يخلص التحليل إلى أن مستقبل غزة لا يمكن أن يُبنى عبر خطط جاهزة أو قرارات خارجية، بل عبر تمكين سكانها من امتلاك الأرض واتخاذ القرار. يفتح هذا النهج الباب ليس فقط لإعادة بناء العمران، بل لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، حيث يبدأ الطريق نحو الاستقرار من حق الناس في التحكم بمساحتهم وحياتهم.

 

https://www.foreignaffairs.com/israel/gaza-gazans